ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
305
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
تقول رحمك اللّه ، ولكن أخبرني لعل اللّه أن ينفعني به يوما . فسألته الثانية فقال : ويحك اشتغل باللّه ، فسألته الثالثة قال : كان أبي من أهل بلخ ، وكان من ملوك خراسان ، وكان من المياسير ، وحبب إلينا الصيد ، فخرجت راكبا فرسي وكلبي معي ، فبينما أنا كذلك ثار أرنب أو ثعلب ، فحركت فرسي فسمعت النداء من ورائي ، ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت ، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا فقلت : لعن اللّه إبليس ، ثم حركت فرسي فسمعت نداء أجهر من ذلك : يا إبراهيم ، ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت ، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلا أرى أحدا فقلت : لعن اللّه إبليس ، ثم حركت فرسي فسمعت نداء من قربوس سرجي : يا إبراهيم : ما لذا خلقت ولا بذا أمرت ، فوقفت وقلت : انبهت وانبهت ، جاءني نذير من رب العالمين ، واللّه لا عصيت اللّه بعد يومي إذا ما عصمني ربي ، فرجعت إلى أهلي فخليت عن فرسي ، ثم جئت إلى رعاة لأبي فأخذت من راع جبة وكساء وألقيت ثيابي إليه ، ثم أقبلت إلى العراق أرض ترفعني وأرض تضعني حتى وصلت إلى العراق ، فعملت بها أياما فلم يصف لي منها من الحلال ، فسألت بعض المشايخ عن الحلال ، فقال : إذا أردت الحلال فعليك ببلاد الشام ، فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة ، وهي المصيصة ، فعملت بها أياما أنظر البساتين وأحصد الحصاد ، فلم يصف لي شيء من الحلال فسألت بعض المشايخ فقالوا لي : إن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس ، فإن فيها المباحات والعمل الكثير ، فتوجهت إلى طرسوس فعملت بها أياما أنظر البساتين وأحصد الحصاد ، فبينما أنا قاعد جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانه ، فكنت في البستان أياما كثيرة ، فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه أصحابه فقعد في مجلسه ثم صاح : يا ناطور ، فقلت : هو ذا أنا ، قال : اذهب فأئتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه ، فذهبت فأتيته بأكبر رمان فأخذ رمانة فكسرها فوجدها حامضة ، فقال لي : يا ناطور ، أنت في بستاننا منذ كذا وكذا وتأكل رماننا لا تعرف الحلو من الحامض قلت : واللّه ما أكلت من فاكهتك شيئا وما أعرف الحلو من الحامض ، فأشار الخادم إلى أصحابه فقال : أما تسمعون كلام هذا ، ثم قال لي : أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم ، ما زاد على هذا ، فانصرف ، فلما كان من الغد ذكر صفتي في المسجد فعرفها بعض الناس ، فجاء الخادم ومعه عنق من الناس ، فلما رأيته قد أقبل مع أصحابه اختفيت خلف الشجر والناس داخلون ، فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا هارب ، فهذا كان أوائل أمري وخروجي من طرسوس إلى بلاد الرمال .